صباح بليدا
كنت أزور مدرستي القديمة و عندما أردت دخول ملعبها وجدتني في ساحة أرضها من باطون و فيها عدة قبور رخامية ترفع فوقها شواهد, مشيت خطوتين, و صعدت درجة صغيرة فإذا بي أمام قبر لا يشبه بقية القبور قيل لي أنه قبر والدي.
كان القبر عبارة عن تابوت خشبي له قوائم و يشبه سرير الطفل الهزاز, و كان خشبه مهترئ لدرجة أني ما أن لمسته لأقرأ الفاتحة, نز من بين خشباته سائل بني اللون كريه الرائحة و رأيت ما يشبه الجثه المتحللة.
تجمدت في أرضي و صرت أصرخ: "يا الله,... يا ناس الحقوني, حدا يجي يظبط القبر, ليه القبر هيك؟!!"
استيقظت من نومي مرعوبة و صرت أقرأ الفاتحة و المعوذتين و أترحم على والدي.
ليلتها لم يغمض لي جفن, شهران مرا و أنا ما زلت أذكر هذا الحلم كأني أراه الآن, و أرتجف رعباً.
***
سأحدثكم عن صباح بليدا, عن الإبنة التي بقيت بجانب والدها- مريض القلب-  أيام حرب تموز عام 2006, انقطع عن والدها الدواء و لم تستطع أن تؤمنه له, ضعف جسده و انهار امام عينيها, مات بين يديها و لم تتمكن لمدة خمسة عشرة يوماً من دفنه, و بعد انقضاء الحرب, شاهدت جثته المتحللة, شمت رائحتها و شاركت في دفنها.
***
قصص حرب تموز و مآسيها لا تنتهي, و لعل قصة صباح - على فظاعتها- أهون من قصص كثيرة غيرها.
 
تعرفت إلى صباح منذ ثلاثة أيام في دار المحجة البيضاء في الضاحية الجنوبية لبيروت, قصدت الدار لألتقي بجعفر سند فعرفني إليها, أثناء تسجيلها للروايات التي اشتريتها سألتني لماذا أقرأ الروايات و أخبرتني أن قصتها تصلح لتكون رواية.
لفتتني لكنتها العربية المكسرة , سألتها عن قصتها فأخبرتني أنها ألمانية الجنسية, ولدت و عاشت لما يزيد عن العشرين عاماً في ألمانيا من أب لبناني و أم ألمانية.
كانت صباح تسمع عن الحرب و تشاهد صورها في التلفاز و لكنها لم تعشها يوماً.
بعد مشاهدتها لمجزرة قانا عام 1996,و بالرغم من عربيتها المكسرة,  كتبت صباح الشعر في قانا
كانت صباح تتساءل عن قدرة من عايشوا الحرب على الإحتمال, لم تعتقد يوماً أنها ستعيش الحرب المجزرة و ستراها بأم عينها!!
تعود صباح بالذاكرة إلى أيام تموز من العام الماضي فتقول:
"تركت ألمانيا لأكون بجانب والدي - الذي أراد أن يمضي آخر أيامه في بليدا- بعد زواج أخوتي, يوم الثامن من تموز العام الماضي, كنت مع أبي و أمي في بيروت, أتت أختي لزيارتنا من ألمانيا يرافقها أبناؤها الخمسة.
وأراد أبي أن يعود إلى الضيعة, فرافقناه جميعنا..
يوم نفذت المقاومة الإسلامية عملية الوعد الصادق, سمعنا الخبر عبر التلفاز ثم سمعنا دوي القصف الذي ردت به إسرائيل. بداية اعتقدنا أن إسرائيل كعادتها سترد بضرب مواقع للمقاومة و ينقضي الأمر.
استمر القصف بعيداُ عن ضيعتنا ثلاثة أيام, و كنا كل يوم نقول: "غداً ينتهي الأمر".
بيتنا متطرف, بعيد عن مركز الضيعة بالقرب من الحدود مع فلسطين المحتلة. في اليوم الرابع من الحرب, اشتد القصف و اقترب من ضيعتنا عندما بدأت المواجهات في بنت جبيل و عيترون. قررنا ترك بيتنا و الذهاب إلى الضيعة خوفاً من استهدافه نظراً لتطرفه, اجتمعنا في بيت ابن عمتي لأنه كان أكثر أماناً خصوصاً بعدما بدأ استهداف ضيعتنا بالقصف.. نفذ منا الطعام, أبناء أختي الأطفال جاعوا فصارت والدتي تذهبإلى بيتنا لتجلب منه الطعام. كانت خائفة, تقطع المسافة ركضاً و الطيران الإسرائيلي الحربي و التجسسي يحوم فوق رأسها. كانت تقول: " إن قصفوني و مت تكون قسمتي, و إلا فأكون قد أمنت طعاماً للأطفال".
في تلك المرحلة, انقطع الدواء عن والدي مريض القلب, فضعف جسده و بات عاجزاً عن السير على قدميه.
 وضعت ابنة عمي يدها على قلبها و قالت: " أشعر أن قلبي مقبوض" و ما أن أنهت جملتها حتى انهال القصف على الضيعة كالمطر, ركضنا جميعاً باتجاه الحمام, كنا أكثر من ثلاثة عشرة شخصاً, صارت الغارات تتكرر بمعدل غارة كل نصف ساعة, بلنا في ثيابنا من شدة الخوف أغمي علي أنا و أختي للحظات, صار أطفالها يبكون, اعتقدت أنا متنا, صرنا نصرخ " يا الله... يا حسين... يا مهدي.." توقفت الغارات و عدت إلى وعيي لأجدني غارقة في مياه الحمام. أرادت والدتي أن نترك البيت و نهرب باتجاه الملجأ, كان طيران الإم كا التجسسي لا يزال في الأجواء, أردت أن أهدئ من روعها لأننا إن غادرنا البيت سيقصفنا الطيران, لم أعرف كيف أتصرف, صفعت والدتي. ضربتها.
عندما هدأ الطيران تركنا المنزل, ركضت حافية القدمين, قبل وصولنا إلى الملجأ شن الطيران الإسرائيلي غارة عليه فأصيبت عائلة  جارنا, بترت ساقاه و أصيبت زوجته و أبناؤه شاهدنا أشلاؤهم تتطاير أمام أعيننا و لم نستطع أن نقدم لهم أية مساعدة.
اجتمعنا في مسجد الضيعة, كنا حوالي أربعماية شخص, نفذ منا الطعام نهائياً, أكلنا الخبز العطن, صرنا نتأفأف من بعضنا, من يملك سيارة حاول الفرار, نحن بقينا, قبلنا أرجل الراحلين ليأخذوننا معهم, دون فائدة, عندما زار الصليب الأحمر الدولي قريتنا, رجوناهم أن يأخذوننا معهم, و لكنهم رفضوا.
حاول ابن عمي زيارة بيته ليجلب لنا الطعام, كانت القوات الإسرائيلية تتمركز في البيت, فقتلوه. نهشت كلابهم جثته و عندما فاحت رائحة ما تبقى منها, أحرقوها. يوم دفنه لم تجد زوجته سوى عظامه. بكت عليه دماً.
اتصلت بي السفارة الألمانية و أخبروني بأنهم سيرحلونني إلى ألمانيا في حال وجدت وسيلة للوصول إلى بيروت, كان بإمكاني المغادرة و لكن كيف سأترك أمي و أبي و أختي و أطفالها.
بعد خمسة عشرة يومأ من الحرب, وصل إلى الضيعة أحد أبناء الجيران, أعطيناه ألف دولار مقابل توصيلنا إلى بيروت, وصلنا إلى بيروت و أدخلنا والدي المشفى و لكنه كان قد فارق الحياة, أنا انهارت أعصابي, استيقظت في المشفى لأجد أمي و قد سفرت أختي و أبنائها. وضعوا أبي في تابوت خشبي و أرادوا دفنه في الأوزاعي, و لكن الطيران كان كثيفاً, خاف الناس من دفنه فرموا جثته في التابوت على أرض المقبرة, بعد انتهاء الحرب عدنا إلى المقبرة لنجد جثة والدي وقد تحللت, لم يجرؤ أحد على الإقتراب من الجثة ودفنها نظراً للرائحة الكريهة, وحده أخي تجرأ و دفن والدي وحيداً.
 بعد الحرب بقيت ستة أشهر أعالج من الصدمة العصبية التي تعرضت لها, لم أكن أستطيع أن آكل أو أتكلم أو أمشي.
*** 
هذه قصة صباح. قد تكون أفضل بكثير من قصص غيرها و لكنها تستحق الوقوف عندها.
***
صباح, لك مني تحية و قبلة, و اعذري فضولي الذي أعاد إليك ذكرى الحرب الأليمة. أعرف أنك لم و لن تنسي أي من تفاصيلها.
كما أعتذر إن كان جهلي قدد تسبب بإيذائك. اعذريني لأنني لم أتقصد ذلك.
 
زينب. 
 
قلتوا إيه أو لأ...انتصرنا!!!
في مثل هذا اليوم من العام الماضي, أسرت المقاومة الإسلامية في لبنان جنديين إسرائيليين و قتلت سبعة.
إستغلت إسرائيل العملية لتقوم بعدوان غاشم على الأراضي اللبنانية.
كل العالم اعترف بخسارة إسرائيل و هزيمتها و ذلها و انتصار الشعب اللبناني و مقاومته.
إسرائيل نفسها أقرت بالهزيمة, و لكن سنيورتنا المسم و طقمه (منتهي الصلاحية) لم و لا لن يقبل الإقرار بالإنتصار.
إليه أهدي هذه الصور التي أخذتها يوم مسيرة الإحتفال بعيد الإنتصار العام الماضي.
و إلى طقمه و العاملين في كل من تلفزيون و جريدة المستقبل و فضائية العربية و جريدة السياسة الكويتية  أقول لهم: " طقوا موتوا... انتصرنا"!!
 

عرس الطفولة


Guess what, we r terrorists..

حالتي النفسية!!
لمن يهمه الأمر و يود أن يعرف سبب انقرافي و ابتعادي,
أنقر هنا  للإستماع إلى التفاصيل.
 


<<الصفحة الرئيسية
للتافهين فقط zazoual221201@hotmail.com