" يقول المثل: " الآباء يأكلون الحصرم و الأبناء يضرسون"
وتقول جدتي: " المثل نبي, و الأنبياء لا يخطئون".
لا أعرف لماذا لاأكف عن التفكير بهذه الكلمات منذ الأمس.
أنا التي لطالما اعتقدت أني الوحيدة بين أخوتي التي ينطبق عليها هذا المثل, أني الوحيدة التي ضرست و دفعت ضريبة الحفاظ على ما تبقى من هذه العائلة التي لا أعرف ما يكفي من المصطلحات لوصفها.
هل تذكرين يوم بحت لك بسري للمرة الأولى؟
أنت أيضاَ كنت كما أخواتي, تحسدينني على ما أنا فيه دون أدنى فكرة عما عانيته و ما زلت أعانيه ."
تصمت دنيا و تسرح بنظرها بعيداً عن طاولتنا التي اخترناها في زاوية المقهى لنأخذ راحتنا في الحديث بعيداً عن عيون المتطفلين.
كلما التقيت بدنيا تشكو و تبكي .
" أنت طبيبتي النفسية الخاصة" تقولها ضاحكة, كلما حاولت إقناعها بضرورة زيارة الطبيب النفسي. أدري أنها مريضة و أن حالتها تحتاج لعلاج مختص, و لكنها ترفض اتباع نصيحتي خوفاً من ضرورة البوح لزوجها, هي لا تريد أن تفضح أهلها أمامه, تريدهم دوماً كباراً في عينيه.
تعتقد دنيا أن قيمة الزوجة لدى زوجها و احترامه لها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقيمة أهلها و احترامه لهم, و أنه متى فقد أهلها قيمتهم و احترامهم في عينيه, فقدت هي قيمتها و احترامها!!
أحاول أن أقنعها بأنها ضحية, و أن زوجها يحبها بما يكفي ليفهم ما مرت به و ما عانته, و بأنه سيزداد حباً و احتراماً لها و سيتمكن من فهم حالتها و السبب الكامن وراء نوبات العصبية و البكاء التي تعتريها من وقت لآخر, سيفهم سبب غيرتها العمياء و خوفها الدائم من خسارته, سيفهم سبب خوفها من الرجال كل الرجال و إيمانها بأنهم جميعاً ذئاب و خونة لا يشبعون و بأن حتى زوجها سيتغير يوماً ما و يعود ليصبح واحداً منهم.
تصر دنيا على عنادها, تعتذر لأنها ربما تحملني ما لا طاقة لي به.
" بلا سخافة, أنت صديقتي و أختي و مريضتي الأولى". أقول مبتسمة.
" هل تصدقين بأني بت أخاف التواجد لوحدي؟ كلما اختليت بنفسي تتراءى لي أفكار رهيبة, أشعر برغبة شديدة في تناول أي شيء أمامي و أذية نفسي. أريد أن أفعل أي شيء يؤذيني, أشعر بنشوة شديدة كلما فكرت بالأمر."
" حاولي أن تفكري بإيجابية, أبعدي عنك هذه الأفكار السوداء, جيد أنك مدركة لحالتك, حاولي أن تشغلي نفسك طوال الوقت, لماذا توقفتي عن القراءة, عودي إلى الكتب, حاولي أن تقرأي و لو لعشرة دقائق يومياً, القراءة تدفعك للتفكير بما تقرأينه. حاولي دائماً ألا تكوني وحيدة, و كلما عاودتك هذه الأفكار تذكري, هي مجرد أفكار تافهة تضرك و لا تفيدك."
تخفض عيناها و تلوح بيديها في محاولة لإخفاء دموعها.
" صلي على النبي و روقي"
تتابع بصوت مرتجف و متقطع: " أشعر أني قبيحة, أكره النظر في المرآة, أخاف مما أراه, أشعر أني متسخة و أن ما من ماء و صابون كافيان لتنظيفي. بدأت أكره نفسي, أحسد كل الناس حولي. بالأمس أخبرتني زميلتي في العمل أنها قررت إقامة عرسها في فندق الفينيسيا, تضايقت, فكرت بيني و بين نفسي بأنها لا تستحق ذلك, بعض الناس حظوظهم تسكن ما بين أفخاذهم. هي ليست جميلة و ليست مثقفة, كيف استطاعت أن تحصل على رجل يرضى بها و يعطيها كل ما تطلب, هل تعلمين أن خطيبها أحضر لها خاتما من الماس و طقم ذهب صنع خصيصاً لها؟."
" و لكنك أنت لا تحتاجين لمثل هذه الأمور, أنت أيضاَ أحضر لك زوجك كل المجوهرات التي أردتها, و في كل مناسبة يحضر لك الهدايا الثمينة و الثياب, حتى أنه فتح لك حساباً مصرفياً لتصرفي منه كما تشائين. أضفي إلى ذلك أن زواجكما مبني على علاقة حب دامت سنوات"
" أدري, و لكني رغم ذلك أحسد الآخرين. هل تعلمين أني أحسدك؟. أحب عيناك. أحب لونهما و لمعتهما, أتمنى لو كانا لدي."
" و لكن أنت أيضاَ عيناك جميلتان و براقتان , هل نسيت كيف كان الشباب – أيام الجامعة- يلتفون كلما دخلت الكافيتيريا. يومها كان الشباب يحومون حولك كما يحوم الذباب حول قالب الحلوى رغم أنك كنت محجبة إلا أنك كنت تفتلين الرؤوس لجاذبيتك. ما زلت أذكر زميلنا هادي الذي كان مغرماً بك حد الثمالة, كان يرفض أن يعترف بجاذبيتك ويبرر اعجابه بك بأنك (سكسي زيادة عن اللزوم). كنت أخبره أن يصمت لأنك فتاة محجبة تخفين مفاتن جسدك و شعرك فكان يقول بخبث: (عيناها سكسي)!!"
تضحك دنيا.
(يتبع)







said:


said:
said:
said:



من المملكة العربية السعودية