دنيا و أخواتها -1-

" يقول المثل: " الآباء يأكلون الحصرم و الأبناء يضرسون"

وتقول جدتي: " المثل نبي, و الأنبياء لا يخطئون".

 لا أعرف لماذا لاأكف عن التفكير بهذه الكلمات منذ الأمس.

أنا التي لطالما اعتقدت أني الوحيدة بين أخوتي التي ينطبق عليها هذا المثل, أني الوحيدة التي ضرست و دفعت ضريبة الحفاظ على ما تبقى من هذه العائلة التي لا أعرف ما يكفي من المصطلحات لوصفها.

هل تذكرين يوم بحت لك بسري للمرة الأولى؟

أنت أيضاَ  كنت كما أخواتي, تحسدينني على ما أنا فيه دون أدنى فكرة عما عانيته و ما زلت أعانيه ."

تصمت دنيا و تسرح بنظرها بعيداً عن طاولتنا التي اخترناها في زاوية المقهى لنأخذ راحتنا في الحديث بعيداً عن عيون المتطفلين.

كلما التقيت بدنيا تشكو و تبكي .

" أنت طبيبتي النفسية الخاصة"  تقولها ضاحكة, كلما حاولت إقناعها بضرورة زيارة الطبيب النفسي. أدري أنها مريضة و أن حالتها تحتاج لعلاج مختص, و لكنها ترفض اتباع نصيحتي خوفاً من ضرورة البوح لزوجها, هي لا تريد أن تفضح أهلها أمامه, تريدهم دوماً كباراً في عينيه.

تعتقد دنيا أن قيمة الزوجة لدى زوجها و احترامه لها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقيمة أهلها و احترامه لهم, و أنه متى فقد أهلها قيمتهم و احترامهم في عينيه, فقدت هي قيمتها و احترامها!!

أحاول أن أقنعها بأنها ضحية, و أن زوجها يحبها بما يكفي ليفهم ما مرت به و ما عانته, و بأنه سيزداد حباً و احتراماً لها و سيتمكن من فهم حالتها و السبب الكامن وراء نوبات العصبية و البكاء التي تعتريها من وقت لآخر, سيفهم سبب غيرتها العمياء و خوفها الدائم من خسارته, سيفهم سبب خوفها من الرجال كل الرجال و إيمانها بأنهم جميعاً ذئاب و خونة لا يشبعون و بأن حتى  زوجها سيتغير يوماً ما و يعود ليصبح واحداً منهم.

تصر دنيا على عنادها, تعتذر لأنها ربما تحملني ما لا طاقة لي به.

" بلا سخافة, أنت صديقتي و أختي و مريضتي الأولى".  أقول مبتسمة.

" هل تصدقين بأني بت أخاف التواجد لوحدي؟ كلما اختليت بنفسي تتراءى لي أفكار رهيبة, أشعر برغبة شديدة في تناول أي شيء أمامي و أذية نفسي. أريد أن أفعل أي شيء يؤذيني, أشعر بنشوة شديدة كلما فكرت بالأمر."

"  حاولي أن تفكري بإيجابية, أبعدي عنك هذه الأفكار السوداء, جيد أنك مدركة لحالتك, حاولي أن تشغلي نفسك طوال الوقت, لماذا توقفتي عن القراءة, عودي إلى الكتب, حاولي أن تقرأي و لو لعشرة دقائق يومياً, القراءة تدفعك للتفكير بما تقرأينه. حاولي دائماً ألا تكوني وحيدة, و كلما عاودتك هذه الأفكار تذكري, هي مجرد أفكار تافهة تضرك و لا تفيدك."

تخفض عيناها و تلوح بيديها في محاولة لإخفاء دموعها.

" صلي على النبي و روقي"

تتابع بصوت مرتجف و متقطع: " أشعر أني قبيحة, أكره النظر في المرآة, أخاف مما أراه, أشعر أني متسخة و أن ما من ماء و صابون كافيان لتنظيفي. بدأت أكره نفسي, أحسد كل الناس حولي. بالأمس أخبرتني زميلتي في العمل أنها قررت إقامة عرسها في فندق الفينيسيا, تضايقت, فكرت بيني و بين نفسي بأنها لا تستحق ذلك, بعض الناس حظوظهم تسكن ما بين أفخاذهم. هي ليست جميلة و ليست مثقفة, كيف استطاعت أن تحصل على رجل يرضى بها و يعطيها كل ما تطلب, هل تعلمين أن خطيبها أحضر لها خاتما من الماس و طقم ذهب صنع خصيصاً لها؟."

" و لكنك أنت لا تحتاجين لمثل هذه الأمور, أنت أيضاَ أحضر لك زوجك كل المجوهرات التي  أردتها, و في كل مناسبة يحضر لك الهدايا الثمينة و الثياب, حتى أنه فتح لك حساباً مصرفياً لتصرفي منه كما تشائين. أضفي إلى ذلك أن زواجكما مبني على علاقة حب دامت سنوات"

" أدري, و لكني رغم ذلك أحسد الآخرين. هل تعلمين أني أحسدك؟. أحب عيناك. أحب لونهما و لمعتهما, أتمنى لو كانا لدي."

" و لكن أنت أيضاَ عيناك جميلتان و براقتان , هل نسيت كيف كان الشباب – أيام الجامعة- يلتفون كلما دخلت الكافيتيريا. يومها كان الشباب يحومون حولك كما يحوم الذباب حول قالب الحلوى رغم أنك كنت محجبة إلا أنك كنت تفتلين الرؤوس لجاذبيتك. ما زلت أذكر زميلنا هادي الذي كان مغرماً بك حد الثمالة, كان يرفض أن يعترف بجاذبيتك ويبرر اعجابه بك بأنك (سكسي زيادة عن اللزوم). كنت أخبره أن يصمت لأنك فتاة محجبة تخفين مفاتن جسدك و شعرك فكان يقول بخبث: (عيناها سكسي)!!"

تضحك دنيا.

" ألم أخبرك بأنك ستضحكين اليوم, بشرفك, ألم تنفعك جلستي, كم أصبح حسابنا؟!!"
" دعي الحساب ليوم الحساب, سأحاول أن أتبع نصيحتك. هذا يستدعي استعارة بعض كتبك".
" لا تقلقي, سأحضر لك بعضها. لدي ما يكفي لإبقائك مشغولة طوال عام."

 (يتبع)

 



أضف تعليقا

اضيف في 27 يونيو, 2007 04:29 م , من قبل mjdsousy
من المملكة العربية السعودية said:

اكيد سمعانة جورج وسوف طبيب كراح
انت هيك صاير فيكي بالظبط

اضيف في 27 يونيو, 2007 10:45 م , من قبل جعفر
من البحرين said:

الأستاذة الغالية زينب

قصة رائعة ومشوقه نحن في انتظار الفصل الثاني من القصة التي ارجوا ان لا ابكي في نهايتها.....

تحياتي لك ودمتى بألف خير

اضيف في 28 يونيو, 2007 02:01 ص , من قبل joe75 said:

الصديق الحقيقي المثقف أفضل من مائة طبيب نفسي ..
أرجو لدنيا راحة البال و الثقة الكافية بالنفس ..و انتظر ما سيتبع

اضيف في 28 يونيو, 2007 11:05 ص , من قبل halataha said:

يا حرام حزنت عليها :(

في ناس كتير زي دنيا ، حت في منهم ما بلاقوا حتى زوج منيح بعد كل هالمعاناة ، وبكون فعلا الزوج بستغل إنه الأهل ما كانوا مناح!

عن جد الحياة حظوظ!!!

أنتظر البقية!

اضيف في 28 يونيو, 2007 03:37 م , من قبل علي
من الكويت said:

أختي زينب ...

تدفعينيا مثل كل مرة لمتابعة كلامك حتى الحرف الأخير ...

بقدر ما هي محزنة هذه القصة (أخشى ان أكون عرفت دنيا ) بقدر ما هي مشوقة ....

ننتظر الفصل الثاني

مدونتك الثانية أحاول جاهداً أن أجد الوصلة (اللنك) التي توصلني إليها حتى أعطيك رأيي بها فأنا معجب بعملك ( وأنتي متل بنتي ، فأنا أفرح كثيراً عند تقدمك و نجاحك ، بتتذكري يا بنتي لمّا كنت تقوليلي يا ابني و أنا إلّك نعم يا بنتي :):) )

حاولت مراراً أن أجدها و استحيت ان أطلبها بعد أن كنت طلبتها مرتين سابقاً و لكني كنت أنشغل بعدها و لا أحتفظ باللنك...

أطلت الكلام عليكي ...
بالمناسبة كم عمتاخدي عالساعة دكتوره زينب ؟ في سعر خاص للحبايب و الأصدقاء ؟





اضيف في 28 يونيو, 2007 03:52 م , من قبل تأملات تافهة
من لبنان said:

سلامااات مجد:

إيه يا ابني, سامعة طبيب جراح, و كمان سامعة المثل يللي بيقول: " قلبي من الحامض لاوي"!!
زينب.

اضيف في 28 يونيو, 2007 03:54 م , من قبل تأملات تافهة
من لبنان said:

سلامااات جعفر:
أنت بانتظار متابعة القصة, و أنا بانتظار زيارتك لبيروت.
صرنا اثنان منتظران!!!
(شايف البياخة)!!
زينب.

اضيف في 28 يونيو, 2007 03:55 م , من قبل تأملات تافهة
من لبنان said:

سلاماااات جو:

فعلاً يا صديقي, أوافقك بكل حرف قلته.
بالمناسبة, أي متى رح ترجع عبيروت؟!!
زينب.

اضيف في 28 يونيو, 2007 03:57 م , من قبل تأملات تافهة
من لبنان said:

سلامااات حلا:

كيفك يا بنتي, اشتقتلك.
فعلاً في كتير متل دنيا, و تأكدي أنك هالمرة رح تقري كمالة القصة, لأني نويت عليها و كما قال الوليد بن كمال (ألا لعنة الله عليه): (يا قاتل يا مقتول)!!
زينب.

اضيف في 28 يونيو, 2007 04:02 م , من قبل تأملات تافهة
من لبنان said:

سلامااات تيدي:
يسعدني أنك لا زلت تقرأني لآخر حرف.
و لا تخف, أنت لن تعرف دنيا لأنها بعض من كل.
دنيا هي بعض مني و بعض ممن شككت أنت بها (و أنا عرفت بمن انت شككت), و بعض من بنت الجيران, و بعض من صديقاتي, و بعض من زميلاتي في العمل...
هي كما قلت لك, بعض من كل.
بالنسبة لمدونتي الثانية فهي WWW.ZEINABRAHHAL.COM
بالحكي عن (يا إبني و يا بنتي), تذكر شو كنت تقول: -( أنا....)-, ههههههه
من يومين عملت لك مسد كول لخبرك أني كنت عم فتش على صورتك بين البومات و كتب الجامعة ( مع انه الكهرباء كانت مقطوعة و الدنيا فطيس), عملت ساونا بس بالأخير لقيتها.
هلأ هي بجزداني, شي يومين و بخلي اختي تعمل لك سكان لها.
زينب.

اضيف في 28 يونيو, 2007 08:55 م , من قبل علي
من الكويت said:

أختي زينب ...

إنما حاولت استدراجك للكلام أكثر بكلامي عن دنيا ...

مشكورة و عذبتك معي بالبحث عن صورتي ...و لم أفهم مسك كوولك و لو أنك أردفتيها بمسد كووول ثانية لكنت اتصلت بك لأطمئن عليك .

دمتي بخير

اضيف في 01 يوليو, 2007 11:11 ص , من قبل جعفر
من البحرين said:

السلااااااام عليكم الغالية أم الزوز

وين البياخة يا ستي

في ناس معرفتهم بتشرف وفي ناس معرفتهم بتقرف وانتي من النوع الأول

يعني احنا منتظرين زيارة بيروت كمان يا استاذة زينب

اضيف في 08 يوليو, 2009 12:23 م , من قبل نتيجة الثانوية العامة
من مصر said:

قصة رائعة ومشوقه نحن في انتظار الفصل الثاني من القصة التي ارجوا ان لا ابكي في نهايتها.....

اضيف في 08 يوليو, 2009 12:24 م , من قبل نتيجة الثانوية العامة
من مصر said:

قصة رائعة ومشوقه نحن في انتظار الفصل الثاني من القصة التي ارجوا ان لا ابكي في نهايتها.....

اضيف في 08 يوليو, 2009 12:25 م , من قبل نتيجة الثانوية العامة
من مصر said:

قصة رائعة ومشوقه نحن في انتظار الفصل الثاني من القصة التي ارجوا ان لا ابكي في نهايتها.....

اضيف في 08 يوليو, 2009 12:25 م , من قبل نتيجة الثانوية العامة
من مصر said:

قصة رائعة ومشوقه نحن في انتظار الفصل الثاني من القصة التي ارجوا ان لا ابكي في نهايتها.....



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
للتافهين فقط zazoual221201@hotmail.com