إلتقيته, أول مرة بعد حرب تموز, نهار السبت في التاسع عشر من آب من العام 2006.كان في زيارة لبيت جدته.
أخبرني يومها أنه كان مع والديه و أخوه (حسين – 6 سنوات) و أخته (حوراء – سنة واحدة) يتفقدون ما تبقى من آثار منزلهم الواقع في مجمع الإمام الحسين (ع) في منطقة الرويس – الضاحية الجنوبية لبيروت.
هل تذكرونه ذلك المجمع الذي قصف بما يزيد عن 23 طن من المتفجرات مساء الأحد الثالث عشر من آب؟!
يومها سمعته يتحدث عما تبقى من منزله: (ما عدنا نعوز المصعد, البيت نزل عنّا) و عن أعمال الهيئة الصحية -التابعة لحزب الله- في انتشال الضحايا الذين كانوا لا يزالون تحت الردم, و عن الشهداء و الجرحى و أصدقاء كانوا بالأمس يشاركونه ساحة المجمع.
سمعته يسأل والدته:
- ماما, لقيوا السنفور؟!
- إيه يا ماما, لقيوه.
لجهلي اعتقدت أن السنفور لا بد أن يكون لعبة له, وصعقت بعدما استفسرت من أمه فأخبرتني بأن السنفور هو أحد أصدقائه من أطفال المجمع!
الأسبوع الماضي التقيته مرة جديدة, فأخبرته بأني أريد أن أعرف أطفال البحرين عليه, و طلبت منه أن يحدثني قليلاً عن نفسه و أن يكتب رسالة لأطفال البحرين و أخرى لشخص يختاره. كم كانت دهشتي كبيرة عندما اختار محمد أن يرسل رسالة شكر إلى سماحة السيد حسن نصر الله و مجاهدي المقاومة الإسلامية, و رسالة لوم و تقريع إلى السنيورة!!
فإليكم ما قاله محمد:
اسمي محمد علي خازم, عمري 8 سنوات و ادرس في مدرسة الإمام الجواد (ع).
أبي من الضاحية الجنوبية, و أمي من البازورية, ضيعة السيد حسن بالجنوب.
من لما كنا صغار, كنا ساكنين بمجمع الإمام الحسن (ع) بالرويس, و هالمجمع مش بس كان فيه بيتنا, هو كله كان بيتنا و كنا فيه عيلة واحدة.
لما بدأت الحرب و نزلت أول قذيفة على الضاحية بالليل, وعينا من النوم خايفين, شعرنا أن شي بشع سيحدث للضاحية, شعرنا انو رح يصير فيها خراب كتير.
وقت الحرب كان عندي إحساس إنو البيت رح ينضرب و أهلي ما كانوا يصدقوا.
وقتها نحن تركنا البيت و صرنا نتنقل بين بيروت (عند بيت عمي) و بين دوحة خلدة (عند خالتي).
كنا أكتر من عشر عيل ببيت واحد.
كان عندنا بعض الإحساس بالخوف, و لكننا كنا كلما سمعنا بانتصارات المقاومة الإسلامية و و تدميرها لدبابات الميركافا, كنا نفرح و نمتلئ عزم أكبر من خوفنا.
باليوم الأخير من الحرب, كنا في دوحة خلدة و سمعنا أن بعض الأبنية المجاورة لجامع الإمام الحسن (ع) قصفت.
يومها أخبرت أمي أن المجمع قصف كما توقعت من بداية الحرب, و لكنها صارت تقول ان أبنية تانية دمرت و مش المجمع. و لكن لما أكدت محطات التلفزيون أن المجمع هو المستهدف و أنه دمر, إنهارت أمي باكية و صارت تقول (وين بدنا نعيش بعد الحرب), أنا تضايقت شوي لأننا خسرنا أغراضنا و تمنيت لو أننا طلعناهم من قبل, و لكنني ما تضايقت كتير لأني كنت طلعت بعض أغراضي و لقيت يللي توقعته كان صح.
أول مرة زرت المجمع بعد الحرب كانت يوم السبت, يومها كانت والدتي بدها تشوف حجم الدمار يللي أصابه و تتأكد إذا يللي عم تسمعه صحيح, أنا كنت توقعت الدمار يللي شفته, لأن العدو نفذ غارات وحشية و عنيفة عليه, و لكن أمي ما صدقت يللي شافته.
المجمع كله كان مهدماً و ما كان باقي غيركومات من الحجارة و الحديد, و الهيئة الصحية كانت بعدها عم تعمل على انتشال الضحايا من تحت الركام و الردم.
كانت روائح البارود و الفاسفور تملأ الجو, وكمان رائحة الجثث التي كانت تهدي رجال الإنقاذ إلى مكان الضحايا. يومها ما تحملت والدتي الرائحة و كاد أن يغمى عليها.
ما قدرنا ننتشل أي شيء من أغراضنا لأن ما تبقى انجرف أثناء عملية إزالة الردم بحثاً عن الضحايا يللي كانوا بعدهم في الملاجيء.
الحصيلة النهائية لضحايا المجمع ما قدرت عدها, الحمد لله ما ستشهد حدا من أصدقائي المقربين أو أهلي, و لكن استشهد ياسر(18 سنة) إبن الشهيد علي نور الدين و الشهيد إبراهيم (15 سنة). أما السنفور, فهو كان الولد المشاغب في المجمع, كان يضربنا كلنا و كاد أن يستشهد لو ما راح مع والده لجلب الطعام قبل لحظات من قصف المجمع.
تكررت زياراتنا للمجمع, و بالمرة الأخيرة وجدت بقايا شنطتي التي كنت احملها في الصف الأول إبتدائي, فأخذتها و احتفظت بها لتذكرني دائماً بالمجمع و بوحشية غارات العدو الإسرائيلي.
نحن اليوم نعيش في بيت استأجرناه قرب المجمع, و كلما مريت من امام المجمع, أسمع صوت الشهداء كأنهم بعدهم هونيك, و كأن المجمع بعدو واقف و صامد في وجه العدو.
أيام الحرب, كنت أسمع عن الغارات يللي سقطت على الضاحية و خصوصاً على المربع الأمني, و لكني لما شاهدت الضاحية لأول مرة, ما صدقت. ما توقعت أن يكون الدمار بهذا الحجم.
نحن اليوم ننتظر إعمار الضاحية و إعمار المجمع لنعود إلى بيتنا.
و كلما مريت بالضاحية أشعر بالفخر و العزة و الكرامة لأني أتنفس نفس الهواء يللي بيتنفسه السيد حسن و مجاهدي المقاومة الإسلامية و لما أكبر بدي صير لاعب فوتبول و مجاهد مع المقاومة.
أطفال الضاحية, كغيرهم من الأطفال, يحلمون بغد لا حرب فيه و لا دمار, يحلمون بألعابهم و هواياتهم, يريدون أن يكونوا لاعبي كرة قدم و شرطيي سير و أطباء و مهندسين و مدرسين ... و لكنهم قبل كل هذا يريدون أن يكونوا مقاومين ليدافعوا عما تبقى من الشرف العربي.
من البحرين