تعليق زميلي من أيام الجامعة (علي من الكويت) على مقالة: (ديم في الضاحية) ذكرني بمحاولات فاشلة اقترفتها سابقاً.
عدت إلى أوراقي القديمة التي أحتفظ بها. فوجدت هذه المحاولة.
أردت أن أكتب عن يوميات الحرب اللبنانية كما عشتها أنا, و عن مأساة زنا الأقارب كما عاشتها صديقة مقرّبة جداً مني.
أردت أن أكتب عن الحرب التي سرقت طفولتي, و عن ألأب الذي سرق طفولتها.
و لأن الجريمة تكاد تكون واحدة, أردت يومها أن أمزج التجربتين بشخصية روائية واحدة.
لم أتحمل المتابعة.
الكتابة تتطلب وقتاً و هدوءاً و قدرة على استذكار تفاصيل عشتها و أخرى رُوِيت لي في جلسة بوح قاسية و مخيفة.
يوماً ما قد أجد هذه القدرة, أما الآن فهي ليست سوى: "محاولة فاشلة".
أخاف عليها و أخاف منها.
هي ليست سوى فتاة تافهة. اعتادت معاندة الحياة لها. و لكنها لم تيأس. بقيت مستسلمة لها و مسلّمة أمرها.
كم مرة واجهتها المصائب من مختلف الجهات!
كم مرة نصحتها بغلق النوافذ و الأبواب بإحكام أمام الرياح القادمة!
كم مرة سمعتها تقول :" أنا أؤمن أن الحياة ستعوض صبري خيراً, سأبقي نوافذي و أبوابي مشرّعة ".
و كم مرة عادت لتخبرني أن الرياح القادمة كسّرت و دمّرت و لم تبقِ بقية!
مذ كانت طفلة و هي تركض هرباً من المشاكل و المصائب.
ولدت من رحم الحرب الأهلية. رضعت مع الحليب دخان البارود و رطوبة الملاجيء. ساحة تراشقٍ القناصين كانت ملعباً لطفولتها. و دماها بضع شظايا و رصاص فارغ و هيكل قذيفة أُطلِقت على بيت الجيران فلم تبق منه سوى بعض الأثاث المحترق. كانت تشتري الحلوى فقط إذا تمكنت هي و أخيها من جمع ما يكفي من أشرطة الكهرباء المتدلية عن العواميد و بيعها نحاساً -بعد تذويب ما يغلفها من البلاستيك- أو إذا جمعت ما يكفي من الألمنيوم...
.......
من الأردن